- الأكثر قراءة
- الأكثر تعليقاً

تراجعت حرية الصحافة في 2024، وقد تستمر في التراجع بسبب الإجراءات الأخيرة في الولايات المتحدة. وحتى في الدول التي تتمتع بحرية صحافة نسبية، هناك تحديات. ورغم ذلك، يبقى المراقبون متفائلين بتحسن الوضع في المستقبل.
تمت إعادة قضية حرية الصحافة إلى الواجهة بعد أن منع البيت الأبيض وكالة "أسوشييتد برس" من حضور المؤتمرات الصحفية للرئيس.
ويأتي ذلك في سياق سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب ضد الصحافة، مثل إلغاء وزارة الخارجية للاشتراكات الصحفية وتقليص دور وكالة "USAID" التي كانت تدعم الإعلام المستقل في الدول التي تفتقر إلى حرية الصحافة. ورغم تصاعد التوتر بين الحكومة الأمريكية ووسائل الإعلام، فإن القليل من الدول توفر بيئة آمنة ومستقلة للعمل الصحفي.
ماذا تعني حرية الصحافة؟
قال جون ستيل، الباحث في الصحافة بجامعة ديربي في المملكة المتحدة، لقناة DW "أن: حرية الصحافة مفهوم معقد ومثير للجدل. تاريخياً، كانت تعني توفير صوت عام، وإتاحة الوصول إلى السلطة، وضمان تمكين الجمهور من المشاركة في اتخاذ القرارات ضمن الديمقراطيات." ومن جهة أخرى، وصف الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام في القرن التاسع عشر الصحافة الحرة بأنها " حماية ضد سوء الحكم"، مشيرًا إلى أن دور الصحافة هو محاسبة السلطة، سواء كانت حكومات أو كيانات خاصة، أمام الناس.
تتطلع منظمات المجتمع المدني المعنية بالصحافة إلى ضمان حرية الصحافة بطرق محددة. على سبيل المثال، تؤكد منظمة "مراسلون بلا حدود" (RSF) أن حرية الصحافة تعني تمكين الصحفيين من اختيار وإنتاج ونشر الأخبار التي تخدم المصلحة العامة، بعيدًا عن أي تدخلات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ودون التعرض لتهديدات تهدد سلامتهم الجسدية والنفسية. وفي هذا السياق، تتفق جودي غينسبرغ، الرئيس التنفيذي للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، مع هذا المفهوم، حيث قالت لقناة DW: " أن حرية الصحافة تعني الوصول إلى وسائل إعلام مستقلة ومتنوعة، مما يتيح للناس تغطية الأخبار بحرية في مجتمعاتهم وبلدانهم."
علاوة على ذلك، يجب أن تظل وسائل الإعلام المستقلة بعيدة عن التأثيرات الخارجية، مثل الضغوط الحكومية لتوجيه الأخبار بشكل معين. وفي هذا السياق، تعني "التعددية" في الإعلام وجود مصادر متعددة وموثوقة يمكن للناس الاعتماد عليها للحصول على المعلومات.
تراجع وانتهاكات لحرية الصحافة
يُظهر مؤشر حرية الصحافة الذي تنشره منظمة "مراسلون بلا حدود" الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون، بالإضافة إلى الأطر السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي يعملون ضمنها. في عام 2024، أظهرت النتائج تراجعًا في حرية الصحافة عالميًا مقارنة بعام 2023، حيث تم تصنيف ثماني دول فقط، معظمها في شمال أوروبا، على أنها تتمتع بحرية صحافة "جيدة". ورغم تصدر الدول الاسكندنافية لهذا المجال، فهي أيضا ليست خالية من التحديات.
وفي هذا السياق، قالت إينا بافسيك، مسؤولة المناصرة في المركز الأوروبي لحرية الصحافة والإعلام (ECPMF) لـ DW: "أنه لا توجد دولة محصنة ضد الضغوط على الصحفيين، ويجب أن نبقى دائمًا يقظين."
ما الذي يهدد حرية الصحافة؟
التهديدات التي تواجه الصحفيين لا تقتصر على العنف الجسدي فقط. ففي النصف الأول من عام 2024، كانت 12% من الهجمات جسدية، بينما كانت ربعها بسبب الرقابة، وثلثها هجمات لفظية مثل التهديدات والترهيب.
تزايدت الهجمات عبر الإنترنت، مثل حملات التشهير والتزييف، خاصة ضد الصحفيات، حيث يتعرضن لتهديدات بالكراهية تستهدفهن وأفراد عائلاتهن. وفي الولايات المتحدة، أظهرت البيانات أن عام 2024 شهد ثالث أكبر عدد من الهجمات على الصحافة منذ عام 2017، مما يعكس تصاعد التحديات التي تواجه الإعلام في مختلف أنحاء العالم.
عام 2024: أعلى عدد من وفيات الصحفيين في العالم
الصحفيون في مناطق الصراع يواجهون خطرًا كبيرًا، حيث شهدت وفيات الصحفيين في عام 2024 زيادة ملحوظة، مع ارتفاع الأعداد بشكل مستمر منذ عام 2021، وفقًا لبيانات لجنة حماية الصحفيين.
وقالت غينسبيرغ: " أن في العام الماضي، زادت عمليات القتل بنسبة 22% مقارنة بعام 2023، وكان ذلك بسبب الحرب في قطاع غزة، حيث قُتل 85 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا في 2024." وأوضح أن "الجيش الإسرائيلي كان مسؤولًا عن معظم هذه الوفيات، وكان معظم القتلى من الفلسطينيين." بيد أن الجيش الإسرائيلي ينفي استهداف الصحفيين.
في مناطق الصراع، يُعتبر الصحفيون مدنيين ولا يجب أن يكونوا أهدافًا. وأضافت غينسبيرغ: "من الضروري أن يدرك المتورطون في الصراع ذلك، وأن تتخذ الدول التي تدعم حرية الصحافة خطوات لمحاسبة الدول التي تفشل في حماية الصحفيين."
كما أظهرت البيانات زيادة في حالات سجن الصحفيين منذ عام 2000. ووجدت لجنة حماية الصحفيين أنه في بداية ديسمبر 2024 كان هناك 361 صحفيًا مسجونًا. أكثر من نصف هؤلاء الصحفيين موجودون في الصين وإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة وميانمار وبيلاروسيا وروسيا، ومعظمهم متهمون بانتهاك قوانين الدولة.
رئيس الولايات المتحدة يعتبر الصحافة عدواً
تدهورت حماية الصحفيين في العالم، وزادت التهديدات التي تجبرهم على ممارسة الرقابة الذاتية أو تجنب كتابة تقارير مهمة تخدم المجتمع.
وقالت غينسبيرج: "الهجمات على الصحفيين وحملات التشهير ضدهم خلقت جوًا من الخوف، وأصبح عدد الصحفيين الذين يعملون بشكل مستقل أقل بكثير". هذا الوضع يجعل من الصعب ملاحظة أي تحسن في حرية الصحافة. وبسبب التهديدات يلجأ الصحفيين إلى بعض المواضيع أو ممارسة الرقابة الذاتية
وتم رصد مثل هذه التأثيرات مؤخرًا في الولايات المتحدة، حيث يشتهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدائه المستمر لوسائل الإعلام التقليدية. فقد وصف الصحافة سابقًا بأنها "عدو الشعب"، وفي تجمع انتخابي عام 2024، أشار إلى الصحفيين وقال إنه "لن يمانع كثيرًا" إذا اضطُر قاتل محتمل إلى إطلاق النار عليهم للوصول إليه، بعد أن نجا من محاولتي اغتيال سابقتين.
علاوة على ذلك، اتخذ الرئيس الأمريكي إجراءات قانونية ضد صحفيين ووسائل إعلام، حيث رفع دعاوى ضد عدة شركات إعلامية. وفي هذا السياق، أشارت غينسبيرغ إلى أن هذه الإجراءات، إلى جانب منع وكالة أسوشيتد برس من استخدام اسم "خليج المكسيك" بسبب رفضها تسميته "خليج أمريكا"، جعلت وكالات الأنباء تتجنب تغطية بعض المواضيع خوفًا من العقاب.
ماذا يمكن فعله لحماية حرية الصحافة؟
قالت غينسبيرغ إن الأنظمة الاستبدادية تقمع الصحافة الحرة لتقييد تدفق المعلومات. وأضافت أن "حرية المعلومات، التي تشمل حرية الصحافة، هي أساس حرّياتنا وحرّيات الجميع". ومن أجل حماية حرية الصحافة، قد نحتاج إلى ضمانات قانونية وتنظيمية. على سبيل المثال، قدم الاتحاد الأوروبي قانون حرية الإعلام الأوروبي (EMFA) كخطوة لحماية حقوق الإعلام.
واضافت إينا بافسيك، مسؤولة المناصرة في المركز الأوروبي لحرية الصحافة والإعلام، إن هذا القانون هو "أساس جيد"لحماية حقوق الصحفيين، ولكنها حذرت من أنه يجب تنفيذه من قبل الدول الأعضاء، بما في ذلك تلك التي تواجه مشاكل في حرية الصحافة. وقالت بافسيك: "قانون EMFA لا يمكن أن يغطي كل شيء أو جميع القضايا التي يواجهها الصحفيون. يجب أن يكون هناك تنفيذ جيد على أرض الواقع، ويجب أن تكون هناك مؤسسات قوية".
من جهة أخرى، أضاف الباحث في الصحافة بجامعة ديربي في المملكة المتحدة، أن "التنظيم الذاتي، حيث يلتزم الصحفيون والشركات الإعلامية بالمبادئ الصحفية المتفق عليها والسلوكيات الأخلاقية، يمكن أن يساعد أيضًا في استعادة الثقة في هذه المؤسسة. فالجمهور الذي يرى قيمة في وجود إعلام مستقل وحُر يمكن أن يضيف طبقة من الحماية لأولئك العاملين في الميدان".
وأكد ستيل: "لا توجد حرية بدون بعض الشروط، سواء كانت نظرية أو فلسفية أو تاريخية"، مضيفًا: "من المهم أن تلتزم الصحافة ببعض المعايير لكي تكون فعّالة ولها معنى حقيقي. ولهذا السبب يتحدث الصحفيون عن الأخلاقيات والمدونات الأخلاقية والالتزام بالمعايير، لأنها تمنحهم الفرصة ليتم تقييمهم بشكل عادل ومتساوٍ".
- أعدته للعربية ندي فاروق
- اليوم
- الأسبوع
- الشهر